فبراير 18

العالم الإسلامي

كثيراً ما أناقش هذا السؤال مع نفسي حين أقرأ عن إسلام العديد من الأجانب وتغييرهم لأسمائهم وملابسهم، حيث درجت العادة أن يحث الناس من يسلم حديثاً بفعل ذلك لكي يحسن إسلامه! بل أن هذه العادة دفعت البعض لتغيير أسمائهم وزيهم من تلقاء أنفسهم ودون إشارة من أحد، حيث انتشر لدى الكثير من غير المسلمين أن ذلك من شروط الإسلام.

في الواقع، هذه الأفعال تشوّه عالمية الإسلام وقدرته على احتواء شتى الثقافات والحضارات، فهل الإسلام للعرب؟ (معلومة: عدد المسلمين في الشرق الأوسط يمثل فقط 20% من إجمالي المسلمين، أي ما يقارب 300-350 مليون مسلم من مليار ونصف مسلم!). بأي حق نثني على أمريكي لأنه يرتدي ثوباً سعودياً وننتقد آخر لأنه يلبس جينز. الأمر لا يختص فقط بالأسماء والأزياء، بل تعدى ذلك كثيراً إلى تقمص الشخصية العربية بكل أبعادها، بل أن بعض المنشدين لا يتغنون سوى بالعربية وتجاهل ثقافته الأصلية التي تحتاج كثيراً للتعريف بالإسلام.

ما دفعني لكتابة هذه التدوينة هي حلقة شاهدتها للدكتور محمد العوضي بصحبة مغني راب أمريكي اسمه (لون) أسلم وقام بتغيير اسمه إلى (أمير)، ارتدى الثوب السعودي والطاقية، واعتزل حياة الفن والغناء وأصبح شخصية مستنسخة من العرب، بل وسيعيش مغموراً جداً بشكله الجديد. بينما لو استغل شهرته بعمل أشياء أفضل مثل الغناء عن الإسلام والتعريف به وهو لا يزال المغني لون بشخصيته الأمريكية، كم من أمريكي سيسمع أغانيه الجديدة، وهو ما يعني تحسين الصورة السلبية عن الإسلام هناك.

حقيقة، هناك فكرة سائدة في مجتمعاتنا المنغلقة تقتضي أن المسلم يجب أن يكون له زي خاص واسم عربي لكي يبتعد عن التشبه بالكفار، وهذا الفكر القاصر تم تعميمه ليطال المسلمين الغرب، حتى أن دائرة المسلمين صغرت أكثر ليكون المسلم الحق هو من يرتدي ثوباً سعودياً فقط وليس من أي دولة عربية أخرى، ونفس الحديث ينطبق على العباءة السعودية وهي اللباس الرسمي للمسلمات ومن تخالف ذلك فهي منحلة أو فاسقة بنظر الكثير.

وفي الواقع، هناك بعض المسلمين حديثاً يسعدون بإسلامهم لدرجة أنهم يريدون تقليد السعوديين على اعتبار أن منطلق الرسالة من مكة المكرمة، لكن هذا ليس بمبرر كافي للانسلاخ من ثقافتهم، هذا الأمر يقود المسلمين الغربيين إلى عزلة اجتماعية وتكوين تكتل أو جاليات مسلمة غير مندمجة وغير متعايشة مع الغير. ولأن المسلم يجب عليه أن يكون سفيراً للإسلام في بلده دون تنفير أو ترهيب، فإن الحياة الطبيعية للفرد الغربي المسلم تقتضي أن لا يظهر بمظهر مختلف عن أفراد نفس المنطقة أو الدولة.

وبصراحة، فمنذ صغري وأنا أسمع إشارات سلبية حول المذاهب الأخرى حين تخالف المذهب الحنبلي، فحين أستمع لشيخ يقول مثلاً بجواز كشف الوجه، أجد حولي من يصرخ ويزمجر قائلاً: “لا يهمك تراه شيخ مصري” أو من أي جنسية أخرى، وهو يرى بفكره الضعيف أن المشائخ السعوديين هم الذين يملكون حق الفتوى وإصدار صكوك الغفران لدخول الجنة!

للأسف، أحد أسباب تخلف العرب هو اهتمامهم الشديد بالمظاهر مع إهمال الأسس والمبادئ الكبيرة والخطوط العريضة للإسلام، مثلاً كم من شيخ يقرأ قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) فتجده يسارع لتقصير ثوبه حتى لَتظهر ركبتاه إذا جلس، وفي الوقت ذاته ترى منه كل تكبر وخيلاء على الآخرين، بل وقد يزيد في الأمر فيجر بشته خيلاء، حيث أن البشت من أكبر دواعي الكبر حتى لو لم يرد صاحبه ذلك! للأسف، علامات الصلاح لدينا: ثوب / شماغ دون عقال / لحية طويلة / سواك، يقابلها عند النساء: عباءة واسعة جداً / غطاء كامل للوجه / قفازات.. أما الأخلاق الفاضلة، التعامل الحسن، التواضع، فماهي إلا مصطلحات شكلية قد تنهار بمجرد معرفة أن الشخص يحلق ذقنه أو يسمع الأغاني.

ختاماً، روي عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه حين جاء شاهد يشهد عنده فقال له عمر : ائتِ بمن يعرِّفك ؛ فجاء برجل ، فقال له : هل تزكيه ؟ هل عرفته ؟ قال : نعم ، فقال عمر : وكيف عرفته ؟ هل جاورته المجاورة التي تعرف بها مدخله ومخرجه ؟ قال : لا ؛ قال عمر : هل عاملته بالدينار والدرهم اللذين تعرف بهما أمانة الرجال؟ قال : لا ؛ فقال : هل سافرت معه السفر الذي يكشف عن أخلاق الرجال ؟ قال : لا ، فقال عمر بن الخطاب : فلعلك رأيته في المسجد راكعاً ساجداً، فجئت تزكيه ؟! قال: نعم يا أمير المؤمنين ؛ فقال له عمر بن الخطاب : اذهب فأنت لا تعرفه ، ويا رجل ائتني برجل يعرفك فهذا لا يعرفك !


يونيو 03

بشت

يقول كثير من علماء الدين بعدم جواز ارتداء بعض الملابس الملفتة للنظر استناداً لحديث (من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة)، ولباس الشهرة هو ما يكون ملفتاً للنظر فوق المعتاد ويجلب الكبر والخيلاء لصاحبه، وسبب تحريم هذا النوع من الألبسة هو محاربة الإسلام الدائمة لمظاهر التكبر وإلغاء الفوارق بين طبقات البشر.

ولكن أليس العلماء ذاتهم الذين ينادون بتحريم لباس الشهرة، نجدهم دائماً يرتدون (البشت) الذي يجعل منهم طبقة مختلفة عن بقية البشر، وبذلك يقعون في مطب ما يحذّرون منه دائماً ؟

لو عدنا لتاريخ صناعة البشوت، لوجدنا أنها كانت قديماً في عصور الإسلام الأولى وقبلها موجودة باسم عباءة أو جبّة، وكان الجميع يرتديها حتى الأطفال، أي أنها لم تكن مقتصرة على فئة معينة أو طبقة بذاتها، لكن مع مرور الزمن تحول البشت إلى رمز للوجاهة لا يرتديه إلا عليّة القوم، لكي يتميزون عن بسطاء الشعب أو فقرائهم .. وشاركهم في ذلك علماء الدين ..

وإن كنت شخصياً لا أوجه نقدي هذا لمن يلبسه من الأغنياء والشيوخ والأمراء، لأنهم أساساً ليسوا دعاة للفضيلة، وأكثرهم يتلبسه الخيلاء بطريقة أو بأخرى، فمتوقع جداً منهم أن يقوموا بتمييز أنفسهم عن الطبقات التي يرونها أدنى منهم.. العتب فقط يكون على من شاركهم من العلماء في لبس هذه القطعة من الملابس ليصبحوا مختلفين عن البشر ..

لا أعلم لماذا أصبحت الفتاوى هنا في كثير من الأحيان مرتبطة بأهواء من يفتي، فمثلاً الشيخ الفلاني صاحب اللحية البيضاء يقوم بتحريم صبغ اللحية بالأسود، ويقوم صاحب اللحية السوداء بتحليل ذلك، أيضاً من لديه تجارة أو ارتباط بالبنوك يقوم باختلاق مسميات نقدية تفيد تجارته كالتورق أو الإيجار المنتهي بالوعد بالتمليك، ومن يحب النساء يتفنن في صنع زيجات قبيحة كالمسيار والمسفار إلخ.. وفي المقابل لدى البعض حساسية مفرطة تصل لحد تجريم الآخر في حال نقاشه حول أمور مختلف عليها..

وعوداً لموضوع البشوت، فأنا مستغرب جداً لماذا يصنع عالم الدين لنفسه شكلاً مختلفاً بارتداء البشت وإلغاء العقال من الزي الرسمي، وهو من يجب عليه توجيه المجتمع لإزالة الفوارق الطبقية واحتقار البشر.. وهذا يفسر لماذا أصبحنا ننظر لشيوخ الدين على أنهم أناس من كوكب آخر ونضفي عليهم كثير من القداسة ..

عن عدي بن الفضل قال : قال لي أيوب : ” اُحذُ نعلين على نحو حذو نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم  (أي البس نعلين مثل نعلي الرسول). قال : ففعلت ، فلبسها أياما ثم تركها ، فقلت له في ذلك فقال: لم أر الناس يلبسونها ” انتهى .

هذا الأثر له بالغ الدلالة في ضرورة اجتناب بعض الملابس حتى وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم بذاته قد لبسها في وقت سابق حينما لم تكن لباس شهرة، ومع تغير الزمن تغيرت الأذواق، الغرض من التحريم واضح وبيّن .. فهل يعي هؤلاء ؟


FireStats icon Powered by FireStats